عبد الرزاق اللاهيجي
96
شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام
قد يطلق على معنى آخر غير المذكورة وهو تهيؤ الشيء لصيرورته شيئا اخر كتهيؤ النطفة لصيرورتها انسانا وتهيو الطفل لصيرورته كاتبا وهذا المعنى له نسبة إلى الشيء الأول ونسبة إلى الشيء الثاني فبالاعتبار الأول يقال له الاستعداد فيقال ان النطفة مستعدة لان تصير انسانا وبالاعتبار الثاني يقال له الامكان الاستعدادي والامكان الوقوعي أيضا فيقال ان الانسانية يمكن ان توجد في النطفة ولا يمكن ان توجد في المدرة ولو قيل إن النطفة يمكن ان تصير انسانا كان معناه ما ذكرناه وهذا اعني كون الانسان ممكنا ان يوجد في النطفة غير الامكان الذاتي للانسان فان معنى ذلك ان وجود الانسان قد صار بعض شرائطه متحققا وبعض موانعه مرتفعا وليس ذلك بمعتبر في الامكان الذاتي فان الامكان الذاتي للانسان بالنسبة إلى النطفة والمدرة على السواء بخلاف الامكان الاستعدادي فان الامكان الاستعدادي امكان ذاتي مأخوذ مع تحقق بعض الشرائط وارتفاع بعض الموانع فيغايره لا محالة مغايرة الكل للجزء فقول المصنف [ / ره / ] والاستعداد إشارة إلى الامكان الاستعدادي بان يراد نسبة الاستعداد إلى المستعد له لا إلى المستعد قابل للشدة وو الضعف لان تحقق بعض الشرائط وانتفاء بعض الموانع مما يختلف كثرة وقلة فان امكان الإنسانية للنطفة اشدّ من امكانها للغذاء وأضعف من امكانها للمضغة وكذا امكان الكتابة للطفل اشدّ من امكانها للجنين وأضعف من امكانها للمترعرع وهو صفة وجودية من شانها العدم بعد الوجود والوجود بعد العدم كما أشار إليه بقوله ويعدم اى بعد ان كان موجودا اما بحصول الشيء بالفعل واما بانتفاء الأسباب وعروض الموانع ويوجد بعد ان كان معدوما بحدوث بعض الأسباب وانتفاء بعض الموانع وقوله للمركبات إشارة إلى أن كل ما له امكان استعدادي فلا بد ان يكون مركبا بوجه لان كل ماله امكان الوجود في الغير اما صورة واما عرض فيكون ماديا محتاجا إلى المادة بالمعنى الأعم الشامل للموضوع بل المتعلق أيضا كالبدن للنفس وكل مادي ولو بالمعنى الأعم مركب ولو بوجه ما فلا يقدح في حصر الاستعداد على المركبات ثبوت الاستعداد في النفوس وساير الصور والاعراض هذا إذا كان المراد من قوله للمركبات ان الاستعداد استعداد لها اما إذا كان المراد ان محله ومعروضه المركبات كما قيل فلا اشكال الّا ان يقال لا شك ان النفس موضوع للاعراض ومحل لاستعدادها مع عدم تركبها فيرجع في الجواب عن ذلك إلى ما ذكر فليتفطن وما قيل من أنه أراد بها التمثيل لا الحصر فان الحكماء وان زعموا ان الامكان الاستعدادي لا يكون الّا لما له مادّة وكل مادّة مركب لكن المصنف سيبطله فاورد عليه ان ما سيبطله المصنف هو افتقار الحادث إلى المادة ولا يلزم منه اثبات الامكان الاستعدادي بدون المادة إذ الحوادث عند المصنف كما لا يحتاج إلى المادة لا يحتاج إلى الاستعداد فلعله انما يتحقق الاستعداد عنده في بعض الحوادث وهو المركبات وهو غير الامكان الذاتي لما عرفت ولكونه صفة وجودية قابلة للشدة والضعف بخلاف الامكان الذاتي وأيضا الامكان الاستعدادي قائم بمحل الممكن فان استعداد الصورة الانسانية قائم بالنطفة بخلاف الامكان الذاتي المسألة السادسة والعشرون في تقسيم الموجود بحسب اتصافه بالحدوث والقدم فان المتصف بهما بالذات هو الوجود واما الموجود فباعتباره وبالعرض اعلم أن حقيقة الحدوث والقدم عند الحكماء هي مسبوقية الوجود بالعدم